الاخبار الشاعر الأردنيّ عبد الله أبو شميس للوكالة : مهنتي الأولى هي معايشة الشعر.. و أهمّ ما ينقص الشعراء في الأردن هو التواصل.. ونجيب محفوظ أهم شاعر عربي
الشاعر الأردنيّ عبد الله أبو شميس للوكالة : مهنتي الأولى هي معايشة الشعر.. و أهمّ ما ينقص الشعراء في الأردن هو التواصل.. ونجيب محفوظ أهم شاعر عربي
حين تقرؤه تستدرجك الكلمات لاستكشاف الجهة التي يعود منها الصدى ، فإذا تبصّرت الجهات وجدتها كلّها جواباً لذات القرار ، تستنشق مع حروفه نسيم صباحات يافا ، فتأخذك بعيداً إلى صفحاتٍ من التاريخ لم يُخفِ السواد إشراق وجهها ، تراه يتنفّس فيها كأنّ صوته بحّةً ينفخها العطر في نايٍ من الصدق ، شاعرٌ يتسلّح باللغة وأدواتها فلا تعصيه ، ويتحلّى بروح الإنسان في كلّ خطوات الحياة ، لن تفي بعض كلماتٍ لرسم ملامحه وأبعاد شاعريته وألوان أطيافه اللامنتهية ، فآثرت أن تعرّفنا به كلماته العميقة الأثر ... الشاعر الأردنيّ عبد الله أبو شميس في هذا الحوار الممتع يفتح قلبه لوكالة أنباء الشعر .
-بدايةً لو أردنا الحديث عن الشاعر عبد الله أبو شميس.... فكيف يبدأ لنا عبد الله هذا الحديث؟
في البداية، دعني أشكرك أخي أحمد، وأشكر وكالة أنباء الشعر على الاستضافة الكريمة ، وأتمنى لكم كلّ التوفيق في خدمة الشعر وأهله .
بالنسبة لبطاقتي الشخصيّة فاسمي عبد الله أبو شميس، أردنيّ الجنسيّة من أصل فلسطينيّ، وأصول العائلة تعود لمدينة يافا ، عمري 28 عاماً ، متزوّج ولديّ ولد وبنت توأمان ( رؤى وغسان) يخطوان أولى خطواتهما على درج الكلام ، أحمل شهادة البكالوريوس في الهندسة ، والماجستير في الأدب والنقد ، أعمل في التدقيق اللغويّ وفي أبحاث " اللغويات الحاسوبية" ، ومهنتي الأولى هي معايشة الشعر!
-لوحظت في السنوات الأخيرة نهضة شعرية أبرزت الكثير من الأسماء الشابة على الساحة الشعرية ، ما أهم عواملها برأيكم وماذا حقق هذا النهوض؟
أعتقد أنّ بروز الأسماء الشعرية في جيل التسعينات من القرن الماضي وجيل العقد الأوّل من القرن الحالي قد اعتمد اعتماداً شبه كامل على المسابقات والجوائز الشعرية . في العقود السابقة كانت المجلات الأدبية ( مثل مجلة شعر، والآداب ،.. إلخ) تلعب الدور الأهمّ في اكتشاف المواهب الجديدة وتقديمها للقراء ، كما لعبت الأحزاب السياسية في مرحلة معينة دوراً كبيراً في إبراز المواهب التي تتبنى خطّها السياسيّ . أما مع انحسار دور الأحزاب السياسية خصوصاً اليساريّة منها ، وضعف تأثير المجلات المطبوعة بسبب طغيان الإعلام الفضائيّ ( وعدم اهتمام هذا الإعلام إلا في حالات نادرة بالشأن الإبداعي ) ، فقد لعبت المسابقات الأدبية الدور الأكبر في إبراز المواهب الجديدة . وهنا بالطبع يجب أن نذكر مسابقة الشارقة للإبداع العربيّ ، ومسابقة سعاد الصباح ، وجائزة البابطين .. وغيرها من المسابقات التي ساهمت إسهاماً واضحاً جدّاً في هذا النطاق ، ولذا يصحّ القول – دون أيّ مبالغة - إنّ هذا الجيل هو جيل " شعراء المسابقات".
وقبل ثلاث أو أربع سنوات بدأت المسابقات الفضائية، ( وأبرزها مسابقتا أمير الشعراء، وشاعر العرب) ، تأخذ دوراً واضحاً في إبراز المواهب الشّابّة ، وإن كنتُ أعتقد أنّ هذه التجربة لا تزال في بداياتها ، وما زال أمامها وقت طويل لتطوّر أدوات "إعلامية- ثقافية" دقيقة في وسعها إبراز المواهب الحقيقية ، ونفي الزائف من الأصيل بينها . وهذا لا يعني التقليل من الجهد المبذول فيها بل على العكس هو دعوة لنقد هذا الجهد المشكور نقداً بنّاءً يضاعف من ثماره في المستقبل بدل أن يضعفها.
-كذلك المشهد الشعري في الأردن يأخذ بالنهوض، فكيف له أن يأخذ دوراً أكبر ويؤثر في المشهد الثقافي العربي بشكل واضح ؟
الحقيقة أعتقد أنّ المشهد الشعريّ في الأردنّ شديد الخصوبة ، وأنّ له ميزة التنوع والثراء، فمثلاً تجد الأشكال الشعرية جميعها متعايشة على نحو منتج في تجارب كثير من الشعراء؛ وربما كان هذا نتيجة لأنّ الأردنّ لم يكن يوماً ما بؤرة لصراع مذهبيّ في الأدب ، مما ساهم في انفتاحه على جميع التجارب بالدرجة نفسها. كذلك ساهم القرب الجغرافي من العراق وسوريا وفلسطين ولبنان ، والخليط المتجانس بين هويات مختلفة تعيش في الأردن ، ساهما أيضاً في هذا الانفتاح. أما عن الكيفية التي يمكن أن يصبح فيها المشهد الشعري في الأردن أكثر تأثيراً في المشهد العربيّ فأعتقد أنها تتصل أساساً بالدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام الأكثر متابعةً - أقصد الإعلام الفضائي- في تسليط الضوء على ذلك المشهد سواء الخاصّ أم العامّ.
-الشعراء في الأردن ماذا ينقصهم وماذا يحتاجون من المؤسسات الثقافية الرسمية كدعم لمسيرتهم ؟
في ظنّي أنّ أهمّ ما ينقص الشعراء في الأردن هو التواصل : سواء بين الأجيال الشعرية المختلفة ، أم بين أبناء الجيل الواحد . فالشعر مثله مثل أيّ شأن إنسانيّ لا ينمو ويثمر إلا في بيئة من التواصل السليم يتمّ فيها تبادل التجارب وتوارثها . وهنا – برأيي المتواضع- يبرز الخلل في دور المؤسسات إذ لا نجدها تقوم بدورها الأساسيّ كحلقة وصل بين الشعراء أو الأدباء بشكل عامّ . أحد أسباب الخلل الواضحة يظهر في أنّ بعض هذه المؤسسات يقوم عليها أشخاص لا صلة لهم بالشأن الثقافي ، ولا حاجة بعد ذلك لشرح النتائج . وفي كل الأحوال فمثل هذه المشكلات لا يمكن حلّها دون وضع خطط واضحة وعملية ، وإسناد الأمر إلى أهله.
-مشروع التفرغ الإبداعي الذي أطلقته وزارة الثقافة الأردنية منذ عامين أو أكثر ويقوم على تفريغ مجموعة من المبدعين وتكريس جهودهم لكتابة إبداعهم فقط ، كيف تنظرون إلى هذه التجربة وأين الأسماء الشابة منها ؟
الحقيقة أنّ أحد شروط مشروع التفرغ الإبداعي أن يكون المبدع ( قد بلغ أربعين سنة)، وكذلك أن يكون له ما لا يقلّ عن أربعة مؤلفات منشورة في حقل التفرغ . أي، ببساطة ، أنّ المشروع لا يمتّ بصلة لا من قريب ولا من بعيد للأسماء الشابة . مشروع التفرّغ – ويعني أن تقوم وزارة الثقافة بكفالة راتب المتفرغ لمدة سنة مقابل أن يقدّم عملاً إبداعياً جديداً- فكرة مميزة بكل تأكيد ، ولكني أخشى أنّ شروط المشروع تفرغ الفكرة من معناها، وأخشى كذلك أنه عند تطبيقه على الأرض أصبح نوعاً من ( تفريغ المتفرّغ أصلاً ) ؛ كما حدث مثلاً عند تفريغ أحد مسؤولي التحرير الثقافي في جريدة عربية مرموقة ، دون ذكر الأسماء ، وبقي متفرّغاً على رأس عمله !
هذه المواقف وأشباهها لا أفهمها ، وأظنّ من الصعب على كثيرين أن يفهموها أو يتفهّموها.
-نعود إلى تجربتك الشعرية ، ماذا حققت حتى الآن وإلى ماذا يسعى الشاعر عبد الله أبو شميس؟
تجربتي الشعرية بدأت واقعياً بمجموعتي الأولى ( هذا تأويل رؤياي) ، وقد حازت هذه المجموعة على المركز الأول في جائزة الشارقة للإبداع العربي- الدورة التاسعة، وكنت وقتها في الثالثة والعشرين من العمر، وربما أكون أصغر من فاز بهذه الجائزة من الشعراء العرب. وقد مدّني فوزي بجائزة الشارقة بكثير من الثقة في الشعر، وأكسبني الاهتمام والاحترام في الوسط الثقافي الأردني . كان ذلك الديوان بمثابة خطوة أولى حالفها التوفيق ، ومحاولة لسبر ماء الشعر قبل السباحة فيه !
أما مجموعتي الثانية وهي بعنوان ( الخطأ) – التي حازت أيضاً على المركز الأول في مسابقة عبد المحسن القطان في رام الله قبل سنتين- فاسمح لي أن أقتبس من كلام لجنة التحكيم ( التي ضمّت الأساتذة والأدباء: جمال الغيطاني، وطاهر رياض، وفخري صالح، وعبده وازن، وعلي الخليلي) في حقّها " إنّ هذه المجموعة حديثة بالفعل وتتنكّب الدروب المطروقة ، وتصنع من العواطف والعلاقات اليومية شعراً خفيف الوقع على القارئ. ثمة شاعرية حقيقية تنسج عالمها من العلاقات الإنسانية المضطربة. إننا إزاء شعر هو ابن زمنه ، لا صراخ فيه ولا ضجيج ولا ادّعاء . شاعرية واضحة ، مدرّبة ، مكتملة . قصائد مكثفة تقطر عذوبة ، تنجو من العادية والتكرار، ولا تشبه إلا نفسها. إنه صوت شعري يفرض نفسه على الساحة الشعرية العربية بقوة واقتدار".
بالتأكيد كان اقتباسي منحازاً! ولكنّ الحقيقة أنّ أهمّ ما فيه هو الالتفات إلى " العلاقات الإنسانية المضطربة" التي تتحرك فوقها قصائد المجموعة. وأعتقد أني ما زلت أحاول أن أعبّر عن قلق الإنسان في حياتنا المعاصرة ، سواء كان إنساناً محبّاً يصطدم بمدنيّة لا تؤمن بالحب ، أم زوجاً يواجه حياة مجتمعية غير سويّة ، أم أباً يفكر على أيّ شكل سيكون العالم الذي سيعيش فيه أولاده بعد عشرين سنة ، أم امرأة لا تعرف أين تذهب بنفسها أمام هذا العالم الذي يكيل لها المدائح جهراً ويخنقها سراً ، أم جنديّاً يترك عائلته ليذهب إلى حروب عبثيّة.. إلخ إلخ.
أما طموحي الشعريّ فهو أن أعبّر عن شخصيّات عالمنا المعاصر جميعها ، بفهم وإحساس حقيقيّين ، ودون انحياز إلاّ للإنسان في كلّ شخص ؛ فاعتقادي الجازم هو أنه لا يوجد إنسان يخلو من الإنسانية ، ومن ثمّ لا يوجد إنسان يخلو من الشعر.
-تقام الكثير من النشاطات الثقافية في الأردن ومن عدة جهات رسمية وأخرى غير رسمية ، لكننا نلاحظ أن الحضور في أية فعالية قليل نسبياً ، فما أسباب هذه الفجوة إن صحت تسميتها بين الإبداع والمتلقي ، وكيف يمكن تلافيها ؟
لا أدري بالضبط ما السبب ، لكنّي أعتقد أنّ على المبدعين أن ينخرطوا أكثر فيما يهمّ الناس وأن يكفّوا عن بناء قصور وهمية حول ذواتهم ، وعلى الناس أيضاً أن يهتموا بالارتقاء بأنفسهم بالفنون ، وعلى الدولة ( بالإعلام والتعليم) أن تجمع بين هؤلاء وهؤلاء ، وعلى أصحاب رأس المال أن يكفّوا عن " تسليع" أنفسهم والبشر، وتفريغهم من إنسانيّتهم.
-الشعر على مرّ الأزمان كان سلاحاً ذا فاعلية كبيرة ، فهل هو الآن كذلك ؟ وإلى أي مدى يستطيع الشعر التأثير في المشهد السياسي ؟
قوّة الشعر في أنه يحرّض الإنسان على أن يبقى إنساناً ، مهما أوهمته الظروف والأحوال بأنّه غير ذلك . الانتصار في الحرب يوهم الإنسان أنه أصبح إلهاً ، والهزيمة تشعره بأنه أصبح أقلّ من حيوان.. النجاح في الحبّ أو الفشل فيه يفعلان بالإنسان فعلاً مشابهاً أيضاً ، وكذلك يفعل بالإنسان نجاحه أو فشله في الحياة العملية ، وعلى الشعر دائماً أن يعيد الإنسان إلى إنسانيّته ، وأن يذكّره بأنه إنسان لا أقلّ ولا أكثر.
أمّا بخصوص السياسة، فلا أرى في الشعر محرّضاً سياسيّاً إلا حينما يتقاطع الشأن السياسي مع الشأن الإنسانيّ ، وقلّما يحدث ذلك.
-قصيدة النثر أخذت في عصرنا اهتماماً يساعدها على احتلال مكانة كبيرة ، كيف ترون هذه التجربة ؟ وهل أنت مع أم ضد قصيدة النثر وهل يشكّل وجودها خطراً على القصيدة التقليدية ؟
لا يشكّل وجود أيّ شكل شعريّ – في رأيي- خطراً على أيّ شكل آخر، فالشعر الحقيقيّ – بغضّ النظر عن شكله- لديه من أدوات القوّة ما يحميه من الخطر، ويرتفع به عن أذى الخصومات المرحليّة. شخصيّاً أتلمّس الجمال والفنّ في أيّ شكل ، ولا يهمّني التصنيف النقديّ، وفي النهاية يذهب الزبد جفاءً وما ينفع الناس يمكث في الأرض.
ليس السؤال الذي أسأله نفسي عندما أقرأ مثلاً محمد الماغوط: هل ما كتبه شعر أم ليس بشعر؟ بل السؤال هو: ماذا يضيف لي ما أقرأه إنسانيّاً وجماليّاً ؟ وإذا كان ما أقرأه يضيف لي ذلك فما حاجتي لتحديد إن كان شعراً أم نثراً.. أم رقصاً حرّاً !
ولو سألتني شخصياً مَنْ أهمّ شاعر عربيّ لقلت لك بدون تردد: نجيب محفوظ!
-أخيراً ... ما الذي يستعدّ له عبد الله أبو شميس ويودّ إخبارنا به ؟
أحضّر حاليّاً لنشر مجموعة شعرية جديدة بعنوان ( شهود غزّة). المجموعة تضمّ طائفة من القصائد على لسان أشخاص مختلفي المشارب والتجارب في الحرب الأخيرة المستمرة على القطاع ، وكل قصيدة تنقل تجربة شاهد معيّن وإحساسه الخاصّ ومنطقه في النظر لما جرى ويجري هناك. المجموعة تستنطق ( مواطنين، والرئيس محمود عباس، والسيد إسماعيل هنية، وغولدستون، وألماظة السموني ، وحاخام كتيبة إسرائيلية ، وناطقاً باسم الجيش الإسرائيلي ، وشاعراً فلسطينيّاً كهلاً ، وجندياً من حماس ، ومقاتلاً غيرَ متديّن... إلخ ) ، وكلّ تتاح له حرّية التعبير الإنسانيّ الشعريّ عن تجربته ، وفق ما يراها هو.
بدأتُ بكتابة القصائد مع بداية العدوان في عيد ميلاد السيّد المسيح في كانون الأول/ ديسمبر 2008 وما زلت أكتب إلى الآن ، وقد كنت قبل كتابة أيّ قصيدة أحاول فهم شخصية قائلها – ومعايشة تجربته الخاصّة- من خلال كتبه أو حواراته أو خطاباته ،.. إلخ ( دون إغفال الخيال الشعري طبعاً ) ، وهو ما جعل بعض القصائد تأخذ وقتاً طويلاً ، وبعضها كنت أعيد كتابته غير مرّة ، ولكنها كانت بالمجمل تجربة ممتعة ومفيدة للغاية.
أهمّ ما تعلمته من تجربتي مع ( شهود غزّة) أنّ الحقيقة نسبيّة بشكل كبير، ومع ذلك فالحقّ غير نسبيّ ، وهو ما عبّرت عنه باختياري للآية الكريمة (( بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ)) لتكون مفتتح المجموعة.
تم إضافته يوم السبت 15/05/2010 م - الموافق 2-6-1431 هـ الساعة 7:27 مساءً